الشريف الرضي
73
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فالجواب : أن في ذلك أقوالا : 1 - منها ، أن الاتخاذ في الأصل هو : القصد إلى أخذ الشئ والعزم عليه والتمسك به والملازمة له ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) [ 1 ] ! ، أي : قصد إلى تمييزه بهذه الحال والاظهار لها والمداومة عليها ، وإذا تأملت كل ما نطق به القرآن من ذكر الاتخاذ ، وجدته يتضمن هذا المعنى : فمن ذلك قوله تعالى : ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) ( 2 ) ، أي : لنجعل هناك موضعا يدوم لبثه ، وتكثر الملازمة له . ومنه قوله تعالى ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) [ 3 ] ، أي : انقطعوا إليها ، وأقاموا على عبادتها ، فإذا كان الامر على ما قررنا ، بان أن نهي الله تعالى عن إظهار موالاة الكافرين إنما هو على هذا الوجه : من توطين النفس بالعزم على ذلك والقصد إليه والاظهار له ، فكأنه تعالى قال : لا يظهرن أحد من المؤمنين موالاة أحد من الكفار قاصدا متعمدا ، وعادلا بموالاته عن المؤمنين الذين هم أحق بذلك من غيرهم ! ، لأن هذه الأفعال إنما تكون موالاة بالمقاصد لا بصورة الفعل ، ولولا ذلك لم تحسن مع التقية أيضا ، وقوله تعالى : ( من دون المؤمنين ) يدل على ما ذكرنا [ 4 ] وعلى هذا قول القائل : أعطيت فلانا دوني ، أي : أعطيته ومنعتني ، ولهذا قال سبحانه : ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ ) ،
--> ( 1 ) النساء : 124 . ( 2 ) الكهف : 21 . ( 3 ) الفرقان : 3 ( 4 ) اي : من قولنا : عادلا بموالاته عن المؤمنين .